انتحار سمكة ذهبية وهي تحذر من خطر محقق!


حدث 360 | وثائقيات وتاريخ قبل أن يُقتل مئات الآلاف من سكان مدينة "تانغشان" بشمال شرق الصين في ثوانٍ معدودة، بدت الطبيعة كما لو أنها تصرخ محذرة من خطر داهم وشيك؛ حيث تقافزت الأسماك بشكل محموم، وامتنعت الطيور عن الطعام، وخرجت الحيوانات عن طورها، في واحدة من أغرب الظواهر السلوكية التي سبقت واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية في التاريخ الحديث.

انتحار سمكة ذهبية وإنذارات الطبيعة الأخيرة

في تمام الساعة الثانية فجر يوم 28 يوليو 1976 -قبل وقائع الكارثة بساعة واحدة فقط- قفزت سمكة ذهبية من حوضها في أحد منازل المدينة بشكل انتحاري؛ حاول صاحبها إنقاذها وإعادتها للمياه، لكنها واصلت القفز خارج الحوض مراراً وتكراراً حتى وقعت الفاجعة.

ولم تكن السمكة الذهبية سوى حلقة في سلسلة إنذارات مرعبة أطلقتها الطبيعة قبل ساعات من الزلزال:

  • اضطراب الطيور والحيوانات: امتنعت آلاف الدجاجات في منطقة "بايغوانتوان" عن تناول الطعام، وارتفع نقيقها وانفعالها الشديد، بينما شوهدت الفئران وحيوانات "ابن عرس" تركض في الممرات بحثاً عن مأوى.

  • ظواهر المياه والآبار: ارتفع وانخفض منسوب المياه في بئر بقرية قريبة 3 مرات في اليوم السابق للزلزال، كما اندفعت الغازات وتشققت الآبار المجاورة قبل أيام من الفاجعة.

16 ثانية حولت "مدينة الصناعة" إلى ركام

في تمام الساعة 03:42 فجر 28 يوليو 1976، وبينما كان أكثر من مليون شخص غارقين في النوم بالمدينة التي كانت تُصنف "آمنة زلزالياً"، ضرب زلزال مدمر بقوة 8.2 درجة على مقياس ريختر وعلى عمق 22 كيلومتراً مباشرة تحت مركز مدينة تانغشان.

استمرت الهزة الأولى ما بين 14 إلى 16 ثانية فقط، لكنها كانت كافية لتدمير أكثر من 90% من مباني المدينة، محولة إياها إلى أطلال بالكامل. وفي أقل من ثوانٍ، ابتلعت التشققات الأرضية الهائلة مباني كاملة، بما فيها مستشفى وقطار مكتظ بالركاب.

وعقب 15 ساعة من الهزة الأولى، ضربت هزة ارتدادية عنيفة بقوة 7.1 درجة دفنت فرق الإنقاذ والناجين تحت الأنقاض، تلتها أكثر من 130 هزة ارتدادية أخرى استمرت حتى أعتاب أغسطس.

حصيلة بشرية مرعبة وإحصائيات الكارثة

تسبب الزلزال في خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة في التاريخ المعاصر:

  • الضحايا: قدرت السلطات الصينية رسمياً عدد القتلى بـ 419,242 شخصاً، بينما يرجح خبراء دوليون أن العدد الحقيقي للضحايا يتراوح بين 655,000 و780,000 قتيل.

  • الدمار المادي: دمر أو تضرر نحو 5.3 مليون منزل، ولم ينجُ في وسط المدينة سوى أقل من 3% من المباني.

  • التأثير الإقليمي: امتدت الهزات لـ 800 كيلومتر؛ حيث قُتل 50 شخصاً في ضواحي العاصمة بكين (التي تبعد 140 كم)، وتضررت مدينة "تيانجين" المجاورة بشدة.

ويُعد زلزال تانغشان ثاني أدمى زلزال في التاريخ البشري، بعد زلزال شانشي بالصين عام 1556 والذي أودى بحياة 830 ألف شخص.

من الركام إلى "مدينة الصين الشجاعة"

على مدى العقود التالية، خضعت تانغشان لعملية إعادة بناء شاملة وتحولت من ركام وأطلال إلى واحدة من أكثر المدن الحديثة والمزدهرة في الصين، ليطلق عليها رسمياً لقب "مدينة الصين الشجاعة". وشُيدت فيها حديقة تذكارية ومتحف وجدار يحمل أسماء المئات من الضحايا.

وكان من أبرز مخرجات مأساة تانغشان، إحداث ثورة في أبحاث التنبؤ بالزلازل وإدارة الكوارث؛ حيث ركزت المؤسسات العلمية الصينية على دراسة التغيرات الفيزيائية والسلوك غير الطبيعي للحيوانات والأسماك والطيور قبل الهزات الأرضية، لتبقى قفزة "السمكة الذهبية" في تلك الليلة المظلمة درساً علمياً وإنسانياً وعى الصينيون رسالته جيداً لحماية المستقبل.