رسائل يوم القدس


كتب/ وسام أبو شمالة

تُحْيي جماهير الأمتين العربية والإسلامية في كل عام يوم القدس العالمي، والذي يتزامن مع الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك. وتأتي الذكرى، هذا العام، في ظل أحداث ومتغيرات وتطورات، تضفي على الذكرى أهمية خاصة، حرصت فيها أطراف محور المقاومة على توجيه رسائل مباشرة وغير مباشرة.

فلسطينياً، تأتي الذكرى بعد تعرض المسجد الأقصى المبارك لعدد من الاقتحامات والاعتداءات الهمجية من قوات العدو الصهيوني ومستوطنيه، خلال أيام شهر رمضان الفضيل، والتي واجهها المرابطون في المسجد الأقصى بصدروهم العارية. وعلى الرغم من تنفيذ العدو لاقتحامات منظمة للمسجد، فإن صمود المرابطين في باحاته، وتهديدات المقاومة في غزة بالرد، أثمرت إلغاء اعتزام قطعان المستوطنين القيام بـ"ذبح القرابين" داخل المسجد، كما منعت ما يسمى مسيرة "الأعلام الإسرائيلية"، وأوقفت موقتاً اقتحامات المستوطنين للأقصى، بحماية جنود العدو خلال العشر الأواخر من رمضان. كما تأتي الذكرى قبل أيام من مرور عام على معركة سيف القدس.

إقليمياً، تزايدت محاولات تثبيت مسار التطبيع في المنطقة، مع مساعٍ حثيثة يبذلها العدو لتشكيل تحالف إقليمي ضد إيران ومحور المقاومة، ومحاولة التعاون والتنسيق، أمنياً واستخبارياً، وتفعيل منظومة الإنذار المبكر لحماية العدو ودول التطبيع من الهجمات الجوية عبر المسيّرات والصواريخ الباليستية.

دولياً، دخلت الأزمة الروسية الأوكرانية، مراحل حساسة، سيكون أحد أبرز تداعياتها تراجع الهيمنة الأميركية وتفردها في النظام العالمي، الأمر الذي سينعكس على موازين القوى في الشرق الأوسط، بالتوازي مع قرب التوصل إلى اتفاق نووي سيلبي، في الغالب، المطالب الإيرانية، وهو ما يعزز محور المقاومة في المنطقة.

إسرائيلياً، يعاني العدو أزمة في نظامه السياسي، ونقاط ضعف متزايدة بسبب هشاشة جبهته الداخلية، وتراجع قوة الردع. وأكثر ما يخشاه هو اضطراره إلى خوض حرب متعددة الجبهات، وهو يراقب ارتفاع مستوى التنسيق والتعاون بين محور المقاومة. لذا، فهو حاول نزع فتيل المواجهة خلال شهر رمضان، لكنه فشل بسبب اندلاع موجة العمليات العسكرية في الداخل الفلسطيني والضفة الغربية المحتلَّين.

في إطار هذه التطورات والمتغيرات في البيئة الاستراتيجية للقضية الفلسطينية، وجَّه قادة محور المقاومة في المنطقة رسائل مهمة خلال كلماتهم في لقاء منبر القدس السنوي الافتراضي قبل أيام، بمناسبة يوم القدس العالمي، ويمكن أن نستنتج عدداً من الرسائل والمضامين الأساسية في النقاط التالية:

-       القضية الفلسطينية هي القضية الاستراتيجية والمركزية التي تجتمع حولها مكونات محور المقاومة، الأمر الذي يعني أن مكونات المحور مستعدة لتقديم كل مقومات الصمود والدعم والتنسيق والتعاون المشترك مع رأس الحربة في الدفاع عن فلسطين؛ أي المقاومة الفلسطينية.

-       العدو الرئيسي والاستراتيجي للأمتين العربية والاسلامية هو "إسرائيل"، وإن مكونات محور المقاومة لا تقف متفرجة أمام جرائم العدو في فلسطين والمنطقة، بل هي تصطف إلى جانب المقاومة الفلسطينية، في مواجهة العدو، وتستعدّ وتُراكم قواتها ومقدراتها، لإلحاق هزيمة استراتيجية به في المعارك المقبلة.

-       القدس والمسجد الأقصى، معادلة باتت ترتبط بعواصم محور المقاومة، فسيف القدس الذي أشهرته المقاومة الفلسطينية في غزة، في معركة أيار/ مايو 2021، جاهز ومستعد في كل لحظة للدفاع عن القدس. ومحور المقاومة الذي ثبّت معادلة "القدس هي المحور"، سيكون طرفاً استراتيجياً في معركة الدفاع عن القدس، وربما ينتقل مستوى التنسيق والتعاون بين المقاومة الفلسطينية ومحور المقاومة إلى مستويات أكبر من التعاون العسكري والدفاع المشترك.

-       تأكيد ترابط الساحات وإفشال خطط العدو التفرد بكل جبهة على حدة، والعمل على تطوير قواعد الاشتباك مع العدو، على نحو يعزز ردعه ويكوي وعيه. وإن الصراع مع العدو لم يعد ثنائياً، بل هو صراع مفتوح مع ساحات إقليمية متعدّدة. وهي الرسالة التي أكدتها الصواريخ التي انطلقت من الجبهة الشمالية تجاه مستوطنات العدو في شمالي فلسطين المحتلة، قبل أيام.

-       التأكيد أن مسارات التطبيع في المنطقة لن تحمي العدو ولن تحمي دول التطبيع. وعلى الرغم من الإدانات والاستنكارات الشكلية من تلك الدول، على سلوك الاحتلال في الأقصى، إلّا أنها لا تعكس سوى الحرج الذي تعرضت له أمام شعوبها، الأمر الذي يؤكد أن الشعب العربي يمكن أن يدفع قياداته إلى تصحيح خطاياها وتطبيعها مع عدو الأمة. 

يوم القدس العالمي لهذا العام يتوج معادلة استراتيجية لمكونات المقاومة في المنطقة، عنوانها القدس، كمحور للصراع والمواجهة مع العدو، وهو ما يفرض على العدو معادلات اشتباك جديدة لا تمكّنه من الاستفراد بجبهة واحدة، مع إدراكه أن دول التطبيع لن تشكل إلّا دافعاً يعزّز ضرورات تحوّل محور المقاومة إلى حلف مكتمل الأركان.